المحاسبة فن وعلم

Directions Contact the business

المحاسبة فن وعلم ان المحاسبة فن وعلم وهي لغة المال والاعمال وبما تحتاجه من دقة عمل وصبر للعامل بها فهي البحث عن خفايا العمل من بين الارقام والبيانات

المحاسبة المالية
المحاسبة الادارية
الادارة المالية
التدقيق و المراجعة

27/09/2026

في الإبلاغ المالي، لا تكفي صحة الرقم للحكم على جودة المعلومة؛ لأن المستخدم لا يتلقى الرقم في فراغ، بل يفسره داخل بنية من العرض والتجميع والتفكيك والترتيب وقابلية الفهم. إن تغيير طريقة عرض المعلومة قد يغير كيفية استخدامها في الحكم، حتى مع ثبات المعلومة الاقتصادية الأساسية.
المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز

هل تتسق القوائم فيما تقوله عن الواقع الاقتصادي نفسه؟المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز لا تُقرأ القوائم المالية بمنطق ...
25/09/2026

هل تتسق القوائم فيما تقوله عن الواقع الاقتصادي نفسه؟
المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز
لا تُقرأ القوائم المالية بمنطق التجاور، بل بمنطق التكامل. فقائمة الدخل تصف أداء الفترة وفق أساس الاستحقاق، وقائمة التدفقات النقدية تكشف حركة النقد ومصادره واستخداماته، وقائمة المركز المالي تعرض الموارد والالتزامات وحقوق الملكية في تاريخ محدد، بينما تكشف الإيضاحات السياسات المحاسبية والتقديرات والمخصصات والالتزامات والمخاطر التي لا تستطيع الأرقام المجمعة وحدها تفسيرها.
هذه ليست معلومات منفصلة؛ إنها محاولات محاسبية متعددة لوصف الواقع الاقتصادي نفسه.
وهنا يجب الانتباه إلى فارق أساسي: قائمة المركز المالي لقطة في تاريخ معين، بينما قائمتا الدخل والتدفقات النقدية تسجلان أحداث فترة كاملة. لذلك فإن اختلاف الإشارات بينها ليس تناقضًا بالضرورة؛ فقد يكون نتيجة طبيعية لاختلاف التوقيت وأساس القياس وطبيعة البنود. لكن السؤال المهني يبدأ عندما يصبح الاختلاف غير مفسر اقتصاديًا — مع مراعاة أن بعض الفجوات، كنمو المخزون أو الذمم في الأنشطة الموسمية، قد تكون طبيعية تمامًا ضمن سياق القطاع، فلا تُقرأ كإنذار بمعزل عن طبيعة النشاط ودورته التشغيلية.
لذلك لا يكفي أن تكون كل قائمة صحيحة عند قراءتها منفردة. السؤال الأعمق هو :
● هل تفسر القوائم بعضها بعضًا عندما نعيد بناء الأحداث الاقتصادية التي أنتجت هذه الأرقام؟
قد تحقق المنشأة ربحًا بينما يظل التدفق النقدي التشغيلي ضعيفًا. وهذا ليس تناقضًا تلقائيًا؛ فقد ينتج عن نمو الذمم المدينة، أو تراكم المخزون، أو توقيت التحصيل والسداد، أو وجود بنود غير نقدية جوهرية. لكن استمرار الفجوة أو اتساعها دون تفسير اقتصادي مقنع يستحق التحليل.
وقد تبدو حقوق الملكية قوية، بينما تكشف القوائم والإيضاحات عن ارتفاع جوهري في المديونية أو التزامات محتملة أو ضغوط سيولة. وقد تنمو الإيرادات والأصول معًا، لكن دون أن تتولد منهما قدرة نقدية أو عائد يتناسب مع حجم الموارد المستخدمة. وقد تكون الأرقام نفسها صحيحة وفق المعايير، بينما تظل الصورة الاقتصادية التي تكشفها مجتمعة بحاجة إلى تفسير أعمق.
لهذا تُستخدم المؤشرات المالية كأدوات لطرح الأسئلة لا لإصدار الأحكام.
فعند الربط بين قائمة الدخل والمركز المالي، يمكن تحليل العائد على الأصول وحقوق الملكية، ودوران الأصول، وحركة الأرباح المحتجزة، لا للحكم منفردًا على صحة القوائم، بل لفهم العلاقة بين الربح والموارد التي أنتجته والتحري والتعمق في التناقضات.
وعند الربط بين قائمة الدخل والتدفقات النقدية، يمكن مقارنة صافي الربح بالتدفق النقدي التشغيلي وتحليل الاستحقاقات والتغيرات في رأس المال العامل. انخفاض تحويل الربح إلى نقد خلال فترة معينة ليس دليلًا بذاته على ضعف الأرباح؛ لكنه يصبح أكثر دلالة عندما يستمر، أو يتسع، أو لا يجد تفسيرًا يتفق مع طبيعة النشاط.
وعند الربط بين المركز المالي والتدفقات النقدية، يمكن تحليل قدرة التشغيل على تمويل الإنفاق الرأسمالي وخدمة الالتزامات، ودراسة العلاقة بين حجم الدين والتدفقات النقدية التشغيلية، وتتبع التغيرات في الذمم والمخزون والدائنين. فالأصل المسجل في المركز المالي لا يُقرأ بمعزل عن قدرته الاقتصادية على توليد المنافع أو النقد، والالتزام لا يُقرأ بمعزل عن قدرة المنشأة على الوفاء به.
أما الإيضاحات، فهي ليست هامشًا للقوائم؛ بل هي جزء من تفسيرها. فالتقديرات المحاسبية، وسياسات الاعتراف والقياس، والمخصصات، والالتزامات المحتملة، ومخاطر الائتمان والسيولة، والأطراف ذات العلاقة، والأحداث اللاحقة، قد تغير فهم المستخدم للرقم دون أن تغير الرقم نفسه.
ثم تأتي طبقة مختلفة تمامًا: تقرير مراقب الحسابات.
فمراقب الحسابات ( المدقق الخارجي ) لا يعيد إعداد القوائم ولا يمنح شهادة بأن المنشأة خالية من المخاطر أو الأخطاء. إنه يبدي رأيًا مهنيًا مستقلًا حول ما إذا كانت القوائم المالية، من جميع الجوانب الجوهرية، معدة وفق إطار التقرير المالي المنطبق، استنادًا إلى أدلة تدقيق كافية ومناسبة وفي ظل التأكيد المعقول، لا التأكيد المطلق. وهذا الفارق ليس شكليًا: فحتى التدقيق المنفذ وفق المعايير على أكمل وجه لا يضمن اكتشاف كل تحريف جوهري، خصوصًا إذا نتج عن تواطؤ، أو تزوير متقن، أو تجاوز الإدارة للضوابط الرقابية — وهو ما يجعل رأي المراقب حكمًا مهنيًا مبنيًا على أدلة كافية، لا تأكيدًا مطلقًا بخلو القوائم من كل خطأ.
وهنا تصبح قراءة التقرير جزءًا من قراءة القوائم، لا مرحلة لاحقة لها.
فإذا تضمن التقرير مسائل تدقيق رئيسية، فإنها تمثل، وفق ISA 701، المسائل التي كانت ذات أهمية أكبر في تدقيق الفترة الحالية، وتُختار من الأمور التي أُبلغ بها المكلفون بالحوكمة. لذلك ينبغي للقارئ أن يعود إلى الإيضاحات المرتبطة بها ليفهم طبيعة التقدير أو الحكم أو المعاملة التي جعلت المسألة ذات أهمية في عملية التدقيق.
وإذا تضمن التقرير أساسًا لرأي معدل، فلا يكفي قراءة عنوان الرأي؛ بل يجب تتبع الأساس إلى البند أو الإفصاح أو القيد الذي نشأ عنه التعديل، ثم تقييم أثره على فهم القوائم ككل. والرأي المعدل نفسه ليس درجة واحدة، بل ثلاث درجات وفق ISA 705: رأي متحفظ عند وجود تحريف جوهري غير شامل أو قصور في الأدلة غير شامل، رأي سلبي عند جوهرية التحريف وشموله معًا، وامتناع عن إبداء الرأي عند العجز عن الحصول على أدلة كافية بصورة شاملة.
أما فقرة لفت الانتباه إلى أمر (Emphasis of Matter)، فهي مسألة مختلفة تمامًا عن التعديل في الرأي، لا درجة أخف منه. فهي، وفق ISA 706، تُرفق عادة برأي غير معدل(نظيف)، ولا تعني أن المراقب لم يقتنع بعدالة عرض القوائم؛ بل تلفت انتباه المستخدم إلى أمر معروض أو مفصح عنه بصورة مناسبة في القوائم وله أهمية أساسية لفهمها. أما إذا اقترنت فقرة كهذه برأي متحفظ أو سلبي، فإن ذلك لا ينشأ عن الفقرة نفسها، بل عن سبب مستقل أدى إلى تعديل الرأي أصلًا.
وهنا تظهر الأهمية النسبية. فهي ليست مجرد رقم يحدد ما إذا كان الخطأ صغيرًا أو كبيرًا، بل مفهوم مهني يرتبط بحجم وطبيعة المعلومات، وبما إذا كان من المتوقع بصورة معقولة أن يؤثر حذفها أو تحريفها في القرارات التي يتخذها المستخدمون استنادًا إلى القوائم المالية. ويحدد المراقب، وفق ISA 320، مستويين مترابطين: الأهمية النسبية الإجمالية للقوائم ككل، وأهمية نسبية للأداء تُحدد عند مستوى أقل منها عمدًا، بهدف تقليل احتمال أن يتجاوز مجموع التحريفات غير المكتشفة أو غير المصححة، الصغيرة كل منها على حدة، حد الأهمية النسبية الإجمالية عند تجميعها. ويستخدم المراقب هذين المستويين في تخطيط التدقيق وتنفيذه وتقييم التحريفات المكتشفة، لكنهما لا يتحولان إلى "شهادة جودة" للقوائم.
ومن ثم فإن قراءة القوائم المالية قراءة مهنية معتبرة لا تبدأ من سؤال:
كم بلغ الربح؟
بل من سلسلة أسئلة مترابطة:
● هل يتفق الربح مع حركة النقد؟
● هل تتناسب حركة رأس المال العامل مع نمو النشاط؟
● هل تفسر الأصول والالتزامات حجم الأداء المعلن؟
● هل تعكس حقوق الملكية نتائج الفترة والتوزيعات والتغيرات الأخرى بصورة مفهومة؟
● هل تكشف الإيضاحات ما يلزم لفهم الأرقام والتقديرات والمخاطر؟
● هل يتسق تقرير المراقب مع ما يظهر في القوائم والإيضاحات؟
● وهل توجد فروق بين هذه الطبقات يمكن تفسيرها اقتصاديًا، أم أنها تترك فجوة لا تزال تحتاج إلى دليل؟
هذه هي نقطة التحول من قراءة الأرقام إلى قراءة النظام المالي للمنشأة.
فالتحليل المهني لا يبحث عن تطابق ميكانيكي بين القوائم؛ لأن القوائم لا تقيس الشيء نفسه بالطريقة نفسها أو في اللحظة نفسها. إنه يبحث عن اتساق اقتصادي قابل للتفسير بين الأداء، والنقد، والمركز المالي، والإفصاح، والحكم المهني المستقل.
وعندما تفشل الأرقام في تفسير بعضها، لا يكون الاستنتاج أن هناك خطأ بالضرورة.
بل تكون هناك سؤالًا مهنيًا لم يُجب عنه بعد.
فالخطر لا يكمن دائمًا في رقم خاطئ؛ أحيانًا تكمن المشكلة في أرقام صحيحة، كل منها يجيب عن سؤال مختلف، لكنها حين تُجمع لا تستطيع أن تروي القصة الاقتصادية نفسها.

الشك المهني لا يناقض الدليل؛ بل يختبره بفحص مصدره وملاءمته وموثوقيته وكفايته واتساقه مع بقية الأدلة؛ فإن صمد أمام الفحص ...
25/09/2026

الشك المهني لا يناقض الدليل؛ بل يختبره بفحص مصدره وملاءمته وموثوقيته وكفايته واتساقه مع بقية الأدلة؛ فإن صمد أمام الفحص تعززت قوته، وإن تعارض فلا ينقذه انطباع ولا ثقة سابقة.
المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز

24/09/2026

س: هل الدفع بالدولار داخل العراق مخالفة قانونية؟
ج: لا، ليس لمجرد كونه بالدولار. فالمادة (37) من قانون البنك المركزي العراقي رقم (56) لسنة 2004 المعدل تنص صراحة على:
( يجوز لطرفي اي عقد او غيره من المعاملات او التصرفات الطوعية بما في ذلك اي كمبيالة او خطاب او وثيقة او ضمان للمال ان يتفقا على تحديد استخدام اية عملة نقدية لدفع التزامات ويجوز تسديد اية ديون او التزامات قانونية تنشا عن اي عقد او اي معاملة او صفقة بما في ذلك اي كمبالية او خطاب او وثيقة او ضمان للمال باية عملة نقدية يتم الاتفاق عليها كعملة الدفع ويجوز للاتفاق الذي يتم بموجب هذه المادة انم يذكر صراحة او يستخلص ضمنيا من خلال الظروف المحيطة بما في ذلك سير المعاملات والاعراف التجارية وسير الاداء).
لذلك، كون الدينار العملة الرسمية لا يعني حظر الدولار في كل معاملة. أما المخالفة فتحتاج إلى نص قانوني أو ضابط محدد ينطبق على الفعل.

المصروف بين طبيعته ووظيفته في منطق IFRS 18 : المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز«المصروف الواحد لا تتغير طبيعته بالضرور...
24/09/2026

المصروف بين طبيعته ووظيفته في منطق IFRS 18 :
المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز
«المصروف الواحد لا تتغير طبيعته بالضرورة، ولكن وظيفته قد تختلف بحسب النشاط الذي يرتبط به استهلاك المورد الاقتصادي.»
المحاسبة قد تنظر إلى المورد الاقتصادي من زاويتين مختلفتين:
● ما طبيعة المورد الذي استُهلك؟
و:
● ما النشاط الذي ارتبط باستهلاكه؟
الأولى هي طبيعة المصروف، والثانية هي وظيفة المصروف.
ولا يتعلق الفرق بينهما بإثبات مصروفين مختلفين، ولا يعني أن إعادة التصنيف تغير حقيقة التكلفة الاقتصادية التي تحملتها المنشأة. وإنما يتعلق بكيفية تنظيم المعلومات عن المصروفات وعرضها وتجميعها بحيث يحصل مستخدم القوائم المالية على المعلومات الأكثر فائدة عن الأداء المالي.
وقد أصبح هذا التمييز أكثر أهمية مع تطبيق IFRS 18 Presentation and Disclosure in Financial Statements ، الذي وضع إطارًا أكثر تفصيلًا لعرض المصروفات التشغيلية في قائمة الربح أو الخسارة. وتتمحور الفكرة حول معيار واحد: أن يكون العرض هو الذي يوفر أكثر ملخص منظم ومفيد للمصروفات.
■ أولًا: طبيعة المصروف — ما المورد الاقتصادي الذي استُهلك؟
تقرر الفقرة 80 من IFRS 18 أن التصنيف بحسب الطبيعة يقدم معلومات عن المصروفات التشغيلية المرتبطة بطبيعة الموارد الاقتصادية المستهلكة لإنجاز أنشطة المنشأة، دون الرجوع إلى الأنشطة التي استُهلكت تلك الموارد من أجلها.
ومن أمثلة ذلك:
* المواد الخام؛
* منافع الموظفين؛
* الإهلاك؛
* الإطفاء.
فإذا عرضت المنشأة «منافع الموظفين»، فإنها تصف طبيعة المورد الاقتصادي المستهلك .
وإذا عرضت «الإهلاك»، فإنها تصف طبيعة أخرى من الموارد الاقتصادية المستهلكة.
ولا يتطلب هذا الأساس، في حد ذاته، تحديد ما إذا كان المورد قد استُهلك في الإنتاج أو البيع أو الإدارة أو البحث والتطوير.
إذن يمكن اختزال السؤال الذي يجيب عنه التصنيف بحسب الطبيعة في الآتي:
ما نوع المورد الاقتصادي الذي استهلكته المنشأة؟
■ ثانيًا: وظيفة المصروف — إلى أي نشاط يرتبط استهلاك المورد؟
تتناول الفقرة 81 من IFRS 18 التصنيف بحسب الوظيفة.
وبموجبها، تقوم المنشأة بتخصيص وتجميع المصروفات التشغيلية وفق النشاط الذي يرتبط به المورد الاقتصادي المستهلك.
ولهذا يمكن لبند مثل «تكلفة المبيعات» أن يجمع مصروفات مختلفة من حيث طبيعتها، مثل المواد الخام، ومنافع الموظفين، والإهلاك والإطفاء.
وفي الاتجاه المقابل، يمكن للمصروفات ذات الطبيعة نفسها أن توزع على أكثر من بند وظيفي؛ فمنافع الموظفين، مثلًا، قد تدخل في تكلفة المبيعات وفي البحث والتطوير.
فالوظيفة هي «مكان استخدام المصروف».
■ ثالثًا: العلاقة المنطقية بين الطبيعة والوظيفة
إذا كانت الطبيعة تصف المورد الاقتصادي المستهلك ، وكانت الوظيفة تصف النشاط المرتبط باستهلاكه، فإن العلاقة بينهما تؤدي إلى نتيجتين متلازمتين.
1. الطبيعة الواحدة قد ترتبط بوظائف متعددة
لنفترض أن المنشأة تتحمل منافع موظفين للعاملين في:
* الإنتاج؛
* المبيعات؛
* الإدارة؛
* البحث والتطوير.
من حيث الطبيعة، هذه المصروفات كلها منافع موظفين.
لكن من حيث الوظيفة، قد ترتبط بأنشطة مختلفة.
2. الوظيفة الواحدة قد تجمع طبائع متعددة
أما إذا كانت المنشأة تعرض «تكلفة المبيعات»، فقد يتكون هذا البند من:
* مواد؛
* منافع موظفين؛
* إهلاك؛
* إطفاء.
إذن الوظيفة واحدة، لكن طبيعة الموارد الاقتصادية المستهلكة متعددة.
وهذه ليست حالة استثنائية، وإنما هي النتيجة الطبيعية لاستخدام خاصيتين مختلفتين لتنظيم المعلومات.
■ رابعًا: لماذا لا يجوز مساواة الوظيفة بالطبيعة؟
من الأخطاء المفاهيمية أن يقال مثلًا:
«الإنتاج طبيعة المصروف.»
الإنتاج ليس طبيعة المورد الاقتصادي.
إنه نشاط أو وظيفة يرتبط بها استهلاك الموارد.
أما:
* المواد؛
* منافع الموظفين؛
* الإهلاك؛
* الإطفاء؛
فهي أمثلة على طبيعة الموارد الاقتصادية المستهلكة وفق الإطار الوارد في IFRS 18.
ومن ثم يمكن أن يكون لدينا:
وظيفة واحدة — الإنتاج —
تتكون من: مواد + منافع موظفين + إهلاك + إطفاء.
وفي الاتجاه المقابل:
طبيعة واحدة — منافع الموظفين —
قد ترتبط بـ الإنتاج + البيع + الإدارة + البحث والتطوير.
لذلك فالسؤالان ليسا متنافسين، بل مختلفان من حيث البعد الذي يصفه كل منهما.
■ خامسًا: لماذا يصبح التصنيف الوظيفي أكثر حساسية؟
لأن الانتقال من الطبيعة إلى الوظيفة يتطلب في بعض الحالات تخصيص المصروفات بين الأنشطة.
وقد يكون الارتباط واضحًا عندما تكون الموارد مخصصة مباشرة لنشاط معين.
لكن الوضع يصبح أكثر تعقيدًا عندما تكون الموارد مشتركة بين أنشطة متعددة، مثل بعض :
* أنظمة تقنية المعلومات؛
* خدمات الموارد البشرية؛
* المباني الإدارية؛
* خدمات الإدارة المركزية؛
* الأصول المستخدمة في أكثر من نشاط.
وهنا تظهر أهمية الفقرة B80(d).
ففي تحديد الطريقة التي تحقق أكثر ملخص منظم ومفيد، يجب على المنشأة أن تنظر فيما إذا كان تخصيص بعض المصروفات للوظائف سيكون اعتباطيًا إلى الحد الذي يجعل البنود الناتجة لا تمثل الوظائف تمثيلًا أمينًا. وإذا كان الأمر كذلك، يكون التصنيف بحسب الطبيعة هو الأساس المناسب لتلك المصروفات.
وهذا يقود إلى نتيجة مهمة:
التصنيف الوظيفي ليس غاية في ذاته.
فالهدف هو جودة المعلومات، وليس زيادة عدد التخصيصات.
■ سادسًا: معيار IFRS 18 — أكثر ملخص منظم ومفيد
تقرر الفقرة 78 من IFRS 18 أن المنشأة تصنف وتعرض المصروفات التشغيلية في بنود بطريقة توفر أكثر ملخص منظم ومفيد للمصروفات، باستخدام طبيعة المصروف أو وظيفته داخل المنشأة أو كليهما.
هذه العبارة هي المحور الذي ينبغي أن يحكم القراءة المهنية للنص.
فالمعيار لا يقول: الطبيعة أفضل دائمًا. ولا يقول: الوظيفة أفضل دائمًا.
كما أنه لا يمنح المنشأة حرية اختيار أحدهما لمجرد التفضيل المحاسبي.
إنما يربط الاختيار بالمنفعة المعلوماتية الناتجة عن العرض.
ولهذا فإن السؤال المهني الصحيح ليس: «أي الطريقتين أفضل؟»
بل:
«أي طريقة، في ظروف هذه المنشأة، تقدم للمستخدمين أكثر ملخص منظم ومفيد عن مصروفاتها التشغيلية؟»
# سابعًا: ما العوامل التي تحكم هذا الحكم؟
تضع الفقرة B80 إطارًا لهذا التحديد.
1. محركات الربحية
تنظر المنشأة إلى البنود التي تقدم أكثر المعلومات فائدة عن المكونات أو المحركات الرئيسية لربحيتها.
فعلى سبيل المثال، قد تكون تكلفة المبيعات محركًا رئيسيًا للربحية في منشأة تعمل في تجارة التجزئة.
وفي بعض المنشآت الخدمية، قد تكون المعلومات عن مصروفات مثل منافع الموظفين، مصنفة بحسب الطبيعة، أكثر أهمية لأنها تمثل محركًا رئيسيًا للربحية.
المعيار نفسه يستخدم هذه الأمثلة لإيضاح أن فائدة التصنيف تعتمد على طبيعة النشاط والعلاقة بين الإيرادات والتكاليف.
2. طريقة إدارة المنشأة
تنظر المنشأة كذلك إلى البنود التي تمثل بصورة أقرب كيفية إدارة النشاط وكيفية إعداد الإدارة لتقاريرها الداخلية.
وهذا عامل من عوامل الحكم، وليس قاعدة تقول إن التقارير الداخلية يجب أن تنسخ إلى القوائم المالية دون تعديل.
3. ممارسة القطاع
ينظر المعيار إلى الممارسة الشائعة في الصناعة، لأن قابلية المقارنة قد تكون ذات قيمة لمستخدمي القوائم المالية.
4. مدى اعتباطية التخصيص
إذا كان التخصيص الوظيفي لمصروف معين لا ينتج عنه تمثيل أمين للوظيفة بسبب طبيعته الاعتباطية، فإن ذلك عامل قوي لمصلحة تصنيف المصروف بحسب الطبيعة.
إذن، الحكم المهني هنا ليس تفضيلًا شخصيًا.
إنه حكم يجب أن يستند إلى خصائص النشاط، ومحركات الربحية، وطريقة الإدارة، وقابلية التخصيص، وجودة المعلومات الناتجة.
■ ثامنًا: الفقرة 79 — القيد الذي يمنع الخلط داخل البند الواحد
تقرر الفقرة 79 أن كل بند منفرد من بنود المصروفات التشغيلية يجب أن يتكون من مصروفات مجمعة على أساس خاصية واحدة فقط: الطبيعة أو الوظيفة.
لكن هذا لا يعني أن المنشأة يجب أن تستخدم الخاصية نفسها لجميع البنود.
وهنا يجب التمييز بين مستويين:
مستوى القائمة ككل:
يمكن أن يستخدم الطبيعة والوظيفة معًا.
مستوى البند الواحد:
يجب أن يقوم التجميع على أساس خاصية واحدة.
ولهذا فإن «العرض المختلط» لا يعني أن البند الواحد يجمع الطبيعة والوظيفة كأساسين مختلفين للتجميع؛ وإنما يعني أن بنودًا مختلفة قد تستخدم خصائص مختلفة.
■ تاسعًا: العرض المختلط ليس مجرد خيار شكلي
توضح الفقرة B81 أن المنشأة قد تصل، بعد تطبيق عوامل الفقرة B80، إلى أن استخدام بعض البنود بحسب الوظيفة وبعضها بحسب الطبيعة هو الذي يوفر أكثر ملخص منظم ومفيد للمصروفات.
وهذا يمكن أن يحدث، مثلًا، عندما:
* يكون التصنيف الوظيفي مفيدًا عمومًا، لكن تخصيص بعض المصروفات للوظائف يكون اعتباطيًا؛ أو
* تكون للمنشأة أنشطة رئيسية مختلفة، بحيث تكون بعض المصروفات أكثر فائدة عند عرضها بحسب الطبيعة وبعضها بحسب الوظيفة.
وقد أكدت لجنة تفسيرات IFRS في 2026 أن الفقرة 78 تعني أن المنشأة تستخدم العرض المختلط عندما يكون هو الذي يوفر أكثر ملخص منظم ومفيد للمصروفات التشغيلية.
وهذه ليست حرية شكلية، بل نتيجة لتطبيق معيار المنفعة المعلوماتية نفسه.
■ عاشرًا: هل يجب معاملة جميع المصروفات ذات الطبيعة الواحدة بالطريقة نفسها؟
الفقرة B82 تقدم مثالًا يمكن فيه أن تكون بعض منافع الموظفين ضمن بند وظيفي، بينما تظهر منافع موظفين أخرى في بند بحسب الطبيعة، بشرط أن تكون التسميات واضحة بما يبين للمستخدمين ما يتضمنه كل بند.
وقد أكدت لجنة تفسيرات IFRS في 2026 أن مثال B82 يعني أن المنشأة، إذا أدرجت بعض المصروفات ذات الطبيعة نفسها ضمن بنود وظيفية، ليست مطالبة بإدراج جميع المصروفات من تلك الطبيعة في بنود وظيفية. ويرتبط ذلك أيضًا بالفقرة B85 المتعلقة بمستوى التجميع الذي يوفر أكثر ملخص منظم ومفيد.
إذن :
وحدة الطبيعة لا تستلزم وحدة طريقة العرض.
الحادي عشر: B85 — ليس السؤال فقط «طبيعة أم وظيفة؟»
قد ينشغل المحاسب بالسؤال عن أساس التصنيف وينسى سؤالًا آخر لا يقل أهمية:
ما مستوى التجميع المناسب؟
وهذا هو مجال الفقرة B85.
فبعد تحديد استخدام الطبيعة أو الوظيفة، ينبغي النظر في مستوى التجميع الذي يقدم أكثر ملخص منظم ومفيد للمصروفات التشغيلية.
وهذا يعني أن المسألة لا تتوقف عند: طبيعة أم وظيفة؟
بل تمتد إلى:
ما درجة التفصيل أو التجميع التي تجعل المعلومات أكثر فائدة دون أن تفقد خاصيتها الجوهرية؟
وبذلك يصبح عرض المصروفات في IFRS 18 مسألة تتعلق ليس فقط بأساس التصنيف، بل أيضًا بمستوى التجميع والعرض.
■ الثاني عشر: الفقرة 82 — ماذا يحدث عندما تستخدم المنشأة التصنيف الوظيفي؟
إذا عرضت المنشأة بندًا أو أكثر من بنود المصروفات التشغيلية بحسب الوظيفة، فإن الفقرة 82 تضع متطلبات إضافية تتعلق بعرض هذه المصروفات ووصف طبيعتها.
ومن ذلك، عند انطباق الحالة ذات الصلة، عرض تكلفة المبيعات كبند منفصل، وكذلك تقديم وصف نوعي لطبيعة المصروفات الداخلة في كل بند وظيفي.
■ الثالث عشر: الفقرة 83 — الإفصاح الكمي بحسب الطبيعة
إذا عرضت المنشأة واحدًا أو أكثر من بنود المصروفات التشغيلية بحسب الوظيفة، فعليها أن تفصح في إيضاح واحد عن إجماليات محددة بحسب الطبيعة، وكذلك المبالغ الداخلة في كل بند من بنود المصروفات التشغيلية.
وتشمل الفئات المحددة في الفقرة:
* الإهلاك؛
* الإطفاء؛
* منافع الموظفين؛
* خسائر انخفاض قيمة الأصول غير المالية وعكسها؛
* تخفيضات المخزون وعكسها.
قد تكون الوظيفة هي الأساس الأكثر فائدة للعرض الأساسي، لكن ذلك لا يلغي الحاجة إلى معلومات كمية مهمة عن طبيعة بعض المصروفات.**
وبالتالي لا ينبغي النظر إلى الطبيعة والوظيفة على أنهما بديلان متعارضان دائمًا؛ فقد تؤدي كل منهما وظيفة معلوماتية مختلفة داخل مجموعة القوائم المالية.
كذلك تنص الفقرة B84 على أن المبالغ المعروضة أو المفصح عنها بحسب الطبيعة لا يلزم أن تكون مساوية للمبالغ المعترف بها كمصروف في الفترة.
فقد تتضمن تلك المبالغ عناصر أصبحت جزءًا من القيمة الدفترية لأصل.
وفي الحالات التي تتضمن فيها الإفصاحات المطلوبة بموجب الفقرة 83(b) مبالغ لم تُعترف بها كمصروف في الفترة، يتعين تقديم تفسير نوعي يوضح ذلك ويحدد الأصول ذات الصلة.
فلا يجوز افتراض أن: المبلغ المفصح عنه بحسب الطبيعة = بالضرورة المصروف المعترف به في قائمة الربح أو الخسارة خلال الفترة.
قد يتطابقان في بعض الحالات، لكن IFRS 18 لا يجعل التطابق اساس مفروغ منه ، كذلك المنشأة لا ينبغي أن تغير أساس عرض المصروفات من فترة إلى أخرى لمجرد تحسين شكل النتائج أو إعادة تنظيمها دون أساس يجيزه المعيار.

حين يصبح القيد افتراضا !!! المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز في تحليل الأداء المؤسسي، قد تبدو الأرقام ممتازة: تكاليف ...
20/09/2026

حين يصبح القيد افتراضا !!!
المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز
في تحليل الأداء المؤسسي، قد تبدو الأرقام ممتازة: تكاليف تحت السيطرة، إنتاجية مرتفعة، انحرافات محدودة، ومستهدفات متحققة. ومع ذلك لا تتحسن النتيجة الكلية كما ينبغي.
لأن المشكلة ليست دائما في كفاءة الأداء، بل في القيد الذي يحدد ما يمكن للأداء أن يحققه.
وهنا تكفي قصة المصعد.
قبل إليشا أوتيس، كان رفع الأشخاص إلى الأعلى ممكنا، لكن خطر سقوط المنصة عند انقطاع الحبل جعل الارتفاع مخاطرة تحد من انتشار المباني العالية. فجاء ابتكار أمان المصعد ليزيل هذا القيد.
ولولا اختراع أمان المصعد، لما وجدنا ناطحات السحاب بكل بساطة.
وفي عام 1854، أثبت أوتيس فكرته عمليا أمام الجمهور بقطع حبل الرفع، فتدخل نظام الأمان ومنع سقوط المنصة.
لم يضف ابتكارا إلى المصعد فقط؛ بل أزال عاملا كان يمنع استخدامه على نطاق أوسع.
وهذه هي الفكرة التي تتكرر داخل المؤسسات. قد تخفض المشتريات تكلفتها بينما الاختناق في الإنتاج، وترفع الإنتاجية بينما المشكلة في السوق، وتزيد موظفي المحاسبة بينما الخلل في تدفق المعلومات، وتشدد الرقابة بينما العيب في تصميم العملية.
قد تكون كل وحدة كفؤة، ومع ذلك لا تتحسن المؤسسة.
لذلك لا يكفي قياس الأداء بمؤشر منفرد. فمحاسبة التكاليف تكشف استهلاك الموارد، ونظرية القيود تحدد الاختناق، والرقابة الداخلية تختبر سلامة العمليات، وسلسلة القيمة تبحث عن القيمة المتحققة، والتغذية الراجعة تكشف ما يحتاج إلى إعادة تصميم.
وهنا يرتفع دور المدقق الخارجي من فحص الرقم إلى فحص النظام الذي أنتج الرقم.
فالرقم قد يكون صحيحا، والإجراء مطبقا، والرقابة تعمل كما صممت، ومع ذلك تكون المشكلة في الفكرة التي بنيت عليها العملية.
لذلك لا ينتهي التدقيق عند:
هل الرقم صحيح؟
بل يمتد إلى:
هل الطريقة التي أنتجت الرقم صالحة للغرض الذي نستخدمه من أجله؟
وهنا تبلغ الحوكمة معناها الأعمق: القدرة على مساءلة القواعد والعمليات والافتراضات، لا مجرد التأكد من الالتزام بها.
أخطر القيود ليست ما نعجز عن تغييره، بل ما لم نعد نفكر في تغييره.

18/09/2026

في علم القرار، هناك خطأ شائع: أن نحكم على القرار من خلال نتيجته.
إذا استثمرت شركة في مشروع وفشل، قيل إن الإدارة أخطأت. وإذا نجح، قيل إن الإدارة كانت صاحبة رؤية.
لكن الحوكمة لا تنتظر النتيجة حتى تصدر حكمها.
السؤال الحوكمي يبدأ قبل القرار:
هل كانت المعلومات كافية؟
هل دُرست المخاطر؟
هل نوقشت البدائل؟
هل كان لصاحب القرار تضارب مصالح؟
هل وُثقت المبررات؟
وهل خضع القرار للرقابة والمساءلة المناسبة؟
فالقرار الجيد قد ينتهي بخسارة، والقرار الضعيف قد ينتهي بربح. لذلك لا يمكن للنتيجة وحدها أن تكون مقياسا لجودة الحوكمة.
المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز

18/09/2026

المدقق لا يحتاج إلى افتراض أن الإدارة غير نزيهة، لكنه لا يستطيع أيضًا أن يجعل الألفة معها بديلًا عن الأدلة. والثقة المهنية ليست نقيض الشك، كما أن الشك ليس مرادفًا للاتهام. المسألة تتعلق بجودة الأدلة وملاءمتها، وبطبيعة مخاطر التحريف، وبمدى اتساق الاستنتاج مع الوقائع المتاحة.
المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز

بين الإيجار التمويلي وأسهم الخزينة: كيف تحسم المحاسبة صراع الجوهر والشكل؟المحاسب القانوني الدكتور محمد القزازالمحاسبة تق...
18/09/2026

بين الإيجار التمويلي وأسهم الخزينة: كيف تحسم المحاسبة صراع الجوهر والشكل؟
المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز
المحاسبة تقف في منطقة التماس بين الاقتصاد والقانون. الاقتصاد يكشف ما الذي حدث من خلق للقيمة، والقانون يكشف ما الذي نشأ من حقوق والتزامات يمكن إنفاذها قانونيًا، أما المحاسبة فتواجه السؤال الأكثر تعقيدًا: أيٌّ من هذه الحقائق ينبغي أن يتحول إلى اعتراف وقياس وعرض في القوائم المالية، وفق متطلبات الاعتراف والقياس ذات الصلة؟ ولهذا لا يصح اختزال المحاسبة في كونها مرآة للاقتصاد، كما لا يصح اختزالها في كونها ترجمة للوثائق والعقود القانونية.
فالمحاسبة تنطلق من الواقع الاقتصادي، وتستعين بالحقوق والالتزامات القابلة للإنفاذ والأدلة المتاحة لتحديد طبيعة ذلك الواقع، ثم تخضعه لمعايير مستقلة من الاعتراف والقياس والعرض والإفصاح. ومن هنا يمكن فهم قاعدة شديدة الأهمية: ما يثبت قانونيًا لا يصبح محاسبيًا لمجرد ثبوته قانونيًا؛ لكنه، متى أنشأ حقًا أو التزامًا قائمًا واستوفى متطلبات الاعتراف والقياس، فإن تجاهله محاسبيًا قد يؤدي إلى انفصال التمثيل المالي عن الواقع الذي يفترض أن تعكسه القوائم المالية. وهذا هو الفارق بين الشكل القانوني والجوهر الاقتصادي.
خذ مثلًا حق استخدام الأصل في عقود الإيجار، لكن خذه بتاريخه الكامل، لا بصورته المستقرة اليوم فحسب. فالمستأجر لا يمتلك الأصل قانونيًا، ولا تنتقل إليه ملكيته، ومع ذلك ينشأ له من العقد حق قابل للتحديد في استخدام أصل معين والسيطرة على كيفية استخدامه والاستفادة من منافعه الاقتصادية خلال مدة العقد.
والمفارقة أن المحاسبة لم تكن تجهل هذا الجوهر الاقتصادي، وإنما كان النموذج السابق، بموجب IAS 17، يسمح للمستأجر في حالة الإيجار التشغيلي بعدم الاعتراف بأصل والتزام الإيجار في الميزانية، استنادًا إلى تصنيف الإيجار وما إذا كانت المخاطر والمنافع المرتبطة بملكية الأصل قد انتقلت بصورة جوهرية إلى المستأجر. وقد أتاح هذا النموذج بقاء قدر كبير من التزامات الإيجار خارج الميزانية، رغم وجود حقوق استخدام والتزامات تعاقدية اقتصادية مهمة.
ولم يُعالج هذا القصور في نموذج المستأجر إلا بصدور IFRS 16 في عام 2016 ودخوله حيز التطبيق في عام 2019، حيث انتقل النموذج إلى الاعتراف، بالنسبة لمعظم الإيجارات، بأصل حق الاستخدام والتزام الإيجار، مع استثناءات محددة، أبرزها الإيجارات قصيرة الأجل وإيجارات الأصول منخفضة القيمة. وقد أشار مجلس معايير المحاسبة الدولية، عند إصدار المعيار، إلى أن أكثر من 14 ألف شركة مدرجة من أصل عينة قوامها نحو 30 ألف شركة كانت لديها التزامات إيجار مستقبلية خارج الميزانية، بلغ مجموعها نحو 2.9 تريليون دولار على أساس غير مخصوم.
فالمحاسبة الحديثة، إذن، لم «تكتشف» فجأة أن غياب الملكية القانونية لا يكفي لتجاهل الحق الاقتصادي؛ وإنما أعادت بناء نموذج الاعتراف بحيث يصبح حق الاستخدام والالتزام الناشئ عنه ظاهرين في القوائم المالية، حتى من دون انتقال ملكية الأصل. وقد عرّف IFRS 16 الإيجار من خلال حق السيطرة على استخدام أصل محدد خلال فترة زمنية مقابل عوض؛ وتتحقق هذه السيطرة عندما يكون للمستأجر حق الحصول على معظم المنافع الاقتصادية من استخدام الأصل، وحق توجيه كيفية استخدامه والغرض منه، ضمن الحدود التي يحددها العقد وطبيعة الأصل.
وهذا بالذات ما يمنح المثال قوته: ليس لأن المحاسبة تتبع الجوهر الاقتصادي بصورة تلقائية، بل لأنها تُظهر، حين يتغير نموذج الاعتراف، مقدار ما يمكن أن يفوته التمثيل المالي إذا تُرك الشكل القانوني وحده ليحدد الصورة المحاسبية.
والعكس صحيح أيضًا، وبالقدر نفسه من الأهمية: فقد تكون الواقعة الاقتصادية واضحة تمامًا، وقابلة للقياس بدرجة عالية، ومع ذلك ترفض المحاسبة الاعتراف بأثرها في الربح أو الخسارة؛ لا لغموض في الإثبات أو عجز في القياس، بل لأن طبيعة المعاملة وتعريف عناصر القوائم المالية يستبعدان هذا الأثر من الدخل أو المصروف.
فحين تعيد المنشأة شراء أسهمها، أي في حالة أسهم الخزينة، تحدث معاملة اقتصادية ومالية واضحة، وتترتب عليها آثار قابلة للقياس على التدفقات النقدية وحقوق الملكية. وقد تختلف القيمة المدفوعة عن القيم الدفترية المرتبطة بالأسهم المعاد شراؤها. ومع ذلك ينص IAS 32 صراحة على ألا يُعترف بأي ربح أو خسارة في الربح أو الخسارة عند شراء أو بيع أو إصدار أو إلغاء أدوات حقوق الملكية الخاصة بالمنشأة، بل تُعالج أسهم الخزينة كخصم من حقوق الملكية، ويُعترف بالأثر مباشرة ضمن حقوق الملكية.
هنا لا يعجز القياس، ولا تغيب الواقعة الاقتصادية، ولا يكون عدم اليقين هو سبب الاستبعاد؛ بل يقرر الإطار المحاسبي أن المعاملة مع مالكي المنشأة بصفتهم مالكين لا تُنتج دخلًا أو مصروفًا. وبعبارة أكثر دقة: المحاسبة لا تنكر أن المعاملة حدثت، وإنما ترفض أن تمنح نتيجتها صفة الدخل أو المصروف.
وهنا تظهر المفارقة المقابلة لمثال الإيجار. فإذا كان مثال الإيجار يكشف كيف يمكن أن ينتصر الجوهر الاقتصادي على الشكل القانوني عندما يتبين أن النموذج السابق لا يقدم تمثيلًا كافيًا للحقوق والالتزامات الناشئة، فإن مثال أسهم الخزينة يكشف الوجه المقابل تمامًا: قد تكون الواقعة الاقتصادية واضحة وقابلة للقياس، ومع ذلك لا يسمح الإطار المحاسبي بتحويل أثرها إلى دخل أو مصروف.
ليس لأن المحاسبة عجزت عن قياسها، وإنما لأن التصنيف المحاسبي نفسه يستبعدها من مفهوم الدخل والمصروف ويجعل أثرها ضمن حقوق الملكية.
وبين هذين المثالين المتقابلين تتضح حدود الاستعارة القائلة إن المحاسبة «تبحث عن نقطة التقاء» بين الاقتصاد والقانون. فهي لا تبحث عن هذه النقطة بطريقة آلية أو محايدة تمامًا في كل مرة؛ بل تحسمها، في بعض الحالات، لصالح تمثيل الجوهر الاقتصادي بعد أن يتبين أن الشكل القانوني أو النموذج المحاسبي السابق لا يعكس بصورة كافية الحقوق والالتزامات القائمة، وتحسمها، في حالات أخرى، لصالح تعريف بنيوي يستبعد أثر الواقعة من الدخل أو المصروف رغم وضوحها الاقتصادي وقابليتها للقياس. وكلا الحسمين ليس انسياقًا تلقائيًا وراء الواقع، بل نتيجة لبنية معيارية واعية تحكم الاعتراف والقياس والتصنيف والعرض.
وهنا تتكشف إحدى أعمق وظائف المحاسبة: المحاسبة لا تسجل الملكية؛ بل تسجل الحقوق والالتزامات والموارد الاقتصادية عندما تستوفي متطلبات الاعتراف والقياس ذات الصلة. وهذا يفسر لماذا لا تكون العلاقة بين القانون والمحاسبة علاقة تطابق، بل علاقة تفاعل وانضباط متبادل.
القانون قد ينشئ الحق، أو يحدد الالتزام، أو يمنح المعاملة قوة الإلزام؛ والاقتصاد يكشف القيمة والمنفعة والمخاطر والتدفقات التي ترتبط بذلك الحق أو الالتزام؛ ثم يأتي الإطار المفاهيمي والمعايير المحاسبية ذات الصلة ليحددا، لا «المحاسبة» بوصفها كيانًا مجردًا ذا إرادة مستقلة، متى وكيف يصبح هذا الواقع قابلًا للتمثيل المالي.
وهنا ينبغي الانتباه إلى نقطة أكثر عمقًا: ليس كل ما هو مثبت قانونيًا يجب أن يتحول آليًا إلى رقم في القوائم المالية، كما أن غياب الملكية القانونية لا يعني بالضرورة غياب الأثر المحاسبي. فالاعتراف المحاسبي لا يتبع القانون بصورة حرفية، ولا يتجاهله؛ وإنما يستخدم طبيعة الحقوق والالتزامات القانونية، إلى جانب الواقع الاقتصادي، لتحديد ما إذا كان الاعتراف والقياس يقدمان معلومات ملائمة وتمثيلًا أمينًا.
ومن هنا يمكن فهم الفارق بين «الحق القانوني» و«الحق الذي يمثل موردًا اقتصاديًا من منظور المحاسبة». فحق استخدام الأصل في الإيجار مثال واضح على أن انتقال الملكية ليس هو الاختبار الوحيد الذي يهم المحاسبة. فالحق في استخدام أصل محدد، والحصول على المنافع الاقتصادية من استخدامه، وتوجيه كيفية استخدامه، يمكن أن ينشئ موردًا اقتصاديًا يستحق التمثيل المحاسبي، حتى مع بقاء الملكية القانونية لدى المؤجر.
وفي المقابل، تكشف أسهم الخزينة أن وجود أثر اقتصادي قابل للقياس لا يعني بالضرورة أن ذلك الأثر سيصبح دخلًا أو مصروفًا. فالمعاملة مع المالكين بصفتهم مالكين تقع ضمن بنية حقوق الملكية، ولهذا لا تُستخدم نتيجة إعادة شراء الأسهم لإنشاء ربح أو خسارة في قائمة الدخل.
ومن هنا يصبح السؤال المحاسبي أكثر دقة من مجرد السؤال: «هل حدثت واقعة اقتصادية؟»
السؤال هو: «ما طبيعة هذه الواقعة؟ وما الحق أو الالتزام أو التغير في حقوق الملكية الذي نشأ عنها؟ وهل يستوفي شروط الاعتراف والقياس؟ وكيف ينبغي أن يظهر أثره حتى يقدم تمثيلًا أمينًا وملائمًا لمستخدمي القوائم المالية؟»
وهذه الأسئلة هي التي تجعل المحاسبة مختلفة عن مجرد تسجيل الأحداث الاقتصادية أو توثيق المعاملات القانونية.
فالمحاسبة لا تكتفي بالسؤال: ماذا حدث؟ كما لا تكتفي بالسؤال: ما الذي أصبح حقًا أو التزامًا قابلًا للإنفاذ؟ بل تضيف سؤالًا ثالثًا أكثر تخصصًا: ما الذي ينبغي أن يصبح حقيقة محاسبية، وكيف ينبغي أن يُقاس ويُعرض؟
ولهذا فإن عبارة «الجوهر قبل الشكل» لا تكفي وحدها لفهم المحاسبة. فالجوهر الاقتصادي ليس حكمًا نهائيًا، والشكل القانوني ليس حكمًا نهائيًا كذلك.
الحكم المحاسبي يتحدد من خلال بنية الاعتراف والقياس والتصنيف والعرض التي يفرضها الإطار المفاهيمي والمعايير ذات الصلة.
وهنا تكمن خصوصية المحاسبة: إنها ليست تسجيلًا للاقتصاد، وليست نسخًا للقانون؛ إنها نظام لبناء تمثيل منضبط للواقع الاقتصادي، في ضوء الحقوق والالتزامات والأدلة، وتحت قيود الاعتراف والقياس والعرض والإفصاح.
وفي هذه النقطة تحديدًا، لا تعود المسألة صراعًا بسيطًا بين الجوهر والشكل؛ بل تصبح صراعًا أعمق بين الواقع، والحق، والاعتراف.
وهنا ربما تكمن إحدى أكثر الأفكار عمقًا في فلسفة المحاسبة: ليس كل ما تحقق اقتصاديًا قد تحقق محاسبيًا بالضرورة، كما أن ليس كل ما ثبت قانونيًا يصبح محاسبيًا بمجرد ثبوته القانوني.
فالاقتصاد يخبرنا بما حدث من خلق للقيمة، والقانون يخبرنا بما نشأ من حقوق والتزامات، أما المحاسبة فتقرر، ضمن إطارها المعياري، أيًّا من هذه الحقائق ينبغي أن تتحول إلى رقم يعترف به في القوائم المالية، وأيها ينبغي أن يظهر في حقوق الملكية، وأيها ينبغي أن يبقى خارج الاعتراف مع الإفصاح عنه متى كانت المعلومات عنه ذات صلة.
وبذلك لا تكون المحاسبة مجرد مرآة للواقع، وإنما تصبح نظامًا لاختيار وتمثيل هذا الواقع؛ نظامًا يحاول أن يوازن بين الاقتصاد والقانون والقياس والإثبات، ليصل في النهاية إلى شيء أكثر تعقيدًا من مجرد «الحقيقة الاقتصادية»: إلى حقيقة مالية قابلة للاعتراف والقياس والمقارنة والمساءلة.

الراتب ليس دواء للكسل !!! المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز في كل اجتماع إدارة تقريبا، تطرح المعضلة ذاتها، وبالكلمات ...
15/09/2026

الراتب ليس دواء للكسل !!!
المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز
في كل اجتماع إدارة تقريبا، تطرح المعضلة ذاتها، وبالكلمات نفسها تقريبا: "الموظف متراخ، فلنرفع راتبه لعلّه يتحمس". وفي كل مرة تقريبا، تنتهي القصة بالخيبة ذاتها: يرتفع الرقم في كشف الرواتب، ويبقى المنتسب كما هو؛ متأخرا، مهملا، غير مبال. ثم يعاد السؤال من جديد، وكأن التجربة لم تحدث من قبل.
هذه ليست مصادفة متكررة. إنها عرض لخطأ تشخيصي جوهري؛ من النوع الذي يمكن وصفه بأن أخطر ما يفعله المدير هو أن يضخ الموارد في جزء من النظام لا علاقة له بالقيد الفعلي الذي يكبح الأداء.
الراتب هنا ليس دواء خاطئ الجرعة، إنه دواء يصرف لمريض لا يعاني من المرض الذي يعالجه.
🔒 القيد الحقيقي
لا يقع حيث يشار إليه عادة. فكل نظام تحكمه عوامل تحد من مخرجاته، وقد يكون بينها قيد حاسم يجعل تحسين ما عداه محدود الاثر. وحين يعامل الاجر كرافعة شاملة قادرة على تحريك أي سلوك بشري، يرتكب الخطأ نفسه الذي يرتكبه مصنع يوسع خط انتاج لا يشكل عنق الزجاجة الحقيقي: نشاط محموم، وانفاق حقيقي، واثر محدود أو معدوم.
القيد، في حالة الموظف المتراخي، قد لا يكون نقصا في المقابل المادي اصلا. قد يكون في الانضباط الذاتي، والدقة، والالتزام بالموعد، وتحمل المسؤولية؛ وهي سمات ترتبط بالاداء الوظيفي في قدر معتبر من ادبيات علم النفس التنظيمي. لكن هذا لا يعني ان الشخصية قدر ثابت لا يتغير، ولا يعني ان الحوافز الخارجية عاجزة عن التأثير في السلوك. المعنى الابسط هو ان المال وحده لا يعيد صياغة شخصية الموظف.
فالشخصية لا تعاد صياغتها بتحويلة بنكية.
ويجب ان نتذكر دوما ان الانسان لا يتصرف كآلة تعظم المنفعة بصورة آلية، بل تحركه دوافع نفسية واجتماعية وسلوكية لا تختزل في معادلة واحدة. وافتراض ان زيادة الاجر ستنتج بالضرورة زيادة مكافئة في الجهد هو افتراض ساذج، يشبه الاعتقاد بان تغيير متغير اقتصادي واحد سيقود تلقائيا الى النتيجة المرغوبة، بصرف النظر عن الحالة النفسية للفاعلين، وتصميم النظام، وطبيعة المهمة، والبيئة التي يعملون داخلها.
وقد اظهرت ابحاث عديدة ان العلاقة بين المال والجهد ابعد ما تكون عن الخط المستقيم الذي يتخيله المدير.
احيانا تضعف المكافاة الصغيرة الحماس بدل ان تولده، لانها قد تحول فعلا كان قائما على الالتزام او المعنى الى صفقة تبدو للموظف بخسة. واحيانا يمكن للحوافز المالية، اذا صممت بصورة سيئة، ان تربك الاداء في المهام المعقدة التي تتطلب تركيزا وحكما مهنيا، فيتحول التركيز من جودة العمل الى مجرد تحقيق المؤشر الذي ترتبط به المكافاة.
حتى فريدريك هيرزبرغ، في نظريته الشهيرة عن عوامل الرضا وعدم الرضا الوظيفي، ميز بين العوامل التي تمنع السخط والعوامل التي تولد الرضا والتحفيز. فالراتب العادل والمناسب قد يمنع قدرا كبيرا من الاستياء، لكنه لا يكفي وحده لصناعة الحماس والالتزام والانجاز.
هو مثل الاوكسجين في الغرفة: غيابه كارثة، لكن مضاعفته لا تجعل احدا يتنفس بعمق اكبر.
فلماذا، اذن، يتشبث المديرون بهذا الحل رغم فشله المتكرر؟
من وجهة نظري، لانه الحل الاسهل قياسا، والاكثر امانا من الناحية الادارية قصيرة الاجل.
تعديل جدول الرواتب قرار يتخذ في اجتماع واحد، ويوثق برقم واضح، ويمكن للادارة ان تقول بعده: "لقد فعلنا شيئا".
اما تشخيص اداء موظف، ومواجهته بسجل عمله، ووضع توقعات واضحة امامه، ومساءلته عن التأخير والاهمال، او الاعتراف بان قرار توظيفه كان خطا من الاساس، فتلك مهمات تستنزف شجاعة ادارية لا يملكها الجميع.
وهذا بالضبط ما يمكن وصفه بحل الاعراض بدل معالجة القيد: الزيادة في الراتب تمنح المدير احساسا بانه اتخذ اجراء، بينما القيد الحقيقي يواصل خنق الاداء بصمت، غير مرئي، لانه ببساطة ليس رقما في كشف المرتبات.
وليس كل ما يمكن قياسه هو ما ينبغي اصلاحه، وليس كل ما يمكن تغييره بسرعة هو ما يعيق النظام فعلا.
لكن الصورة لا تكتمل بجانب واحد، ومن الخطا ان نتوقف عند هذه النتيجة دون ان نعرض وجهها الاخر.
فثمة حالات يكون فيها الراتب هو القيد الحقيقي بذاته، لا عرضا مضللا.
حين يكتشف موظف منضبط ان زميله الاقل جهدا يتقاضى مثله تماما، فان تراخيه اللاحق لا يمكن اختزاله ببساطة في ضعف الشخصية. قد يكون ما حدث نتيجة احساس متزايد بالظلم، وتراجع الايمان بان الجهد الاضافي يستحق بذله في نظام لا يفرق بين من يعطي ومن لا يعطي.
هنا، تصحيح الاجر لا يصلح شخصية الموظف، بل يزيل سببا حقيقيا زرعته الادارة نفسها.
وهذه نقطة لا ينبغي تجاهلها: العدالة في التعويض ليست رفاهية ادارية، بل جزء من البيئة التي يتشكل داخلها السلوك.
وحين تدفع الشركة اجرا اعلى من متوسط السوق، فانها لا تشتري بالضرورة جهدا اضافيا من فرد بعينه، بل قد تشتري شيئا اكبر: سمعة قادرة على استقطاب الكفاءات الافضل، وقدرة اكبر على الاحتفاظ بها، ورفع تكلفة ترك المؤسسة بالنسبة الى الموظف الكفء.
وهذا هو احد اوجه ما يعرف اقتصاديا باجر الكفاءة: ان يكون دفع اجر اعلى من سعر السوق جزءا من تصميم اقتصادي وتنظيمي يستهدف رفع جودة العمالة وتقليل دورانها وتحسين الاداء، لا مجرد محاولة لتحفيز موظف بعينه.
وحين يكون الخلل في تصميم النظام نفسه، كغياب رابط واضح بين الجهد والنتيجة، او غموض في ما يكافا اصلا، او مساواة مستمرة بين الاداء الممتاز والاداء الضعيف، فان اصلاح الحافز قد يرفع الاداء فعلا.
ليس لانه غير شخصية احد، بل لانه اصلح الجسر المقطوع بين الجهد والمكافاة.
وهنا يصبح من الخطا ان نقول ببساطة: "الراتب لا يحفز". الادق ان نقول: الراتب قد يحفز، لكن اثره يتوقف على المشكلة التي نحاول حلها، وعلى كيفية تصميم الحافز، وعلى البيئة التي يعمل داخلها.
وتشير بعض الادلة المؤسسية الحديثة الى ان الثقافة السامة قد تكون عاملا شديد القوة في دفع الموظفين الى ترك العمل، وقد تتفوق في تأثيرها على التعويض في بعض السياقات. وهو امر يستحق التوقف عنده في كل غرفة اجتماعات تناقش سياسة التعويضات، لان المؤسسة قد تخسر موظفيها وهي تدفع لهم جيدا.
وليس كل موظف ضعيف الاداء كسولا.
قد يكون غير مدرب، او لا يمتلك المهارة المطلوبة، او لا يفهم بوضوح ما هو متوقع منه، او يعمل في وظيفة سيئة التصميم، او يعاني من مدير ضعيف، او يتحمل عبئا غير واقعي، او يعمل داخل نظام يجعل الاداء الجيد عديم الجدوى.
ومن هنا فان الادارة الناضجة لا تبدأ بالحكم: "هذا الموظف كسول"، بل تبدأ بالسؤال: "ما الذي يمنع هذا الموظف من اداء العمل بالمستوى المطلوب؟"
اذا كانت المشكلة نقص مهارة، فالحل تدريب. واذا كانت المشكلة غموضا في الدور، فالحل وضوح. واذا كانت المشكلة في الموارد، فالحل ازالة العائق. واذا كانت المشكلة في المدير، فزيادة راتب الموظف لن تنقذ النظام. واذا كانت المشكلة في العدالة، فالحل تصحيحها.
اما اذا كانت كل هذه العوامل متاحة، وكان المطلوب واضحا، والموارد موجودة، والعدالة قائمة، والدعم متوافرا، ومع ذلك يستمر الموظف في الاهمال والتاخر وعدم تحمل المسؤولية، فهنا يصبح من المشروع ان نعود الى السؤال الاصعب: هل اخترنا الشخص المناسب اصلا؟
التراخي المزمن الذي يستمر رغم وضوح التوقعات، وتوافر الادوات، وعدالة المقابل، والتغذية الراجعة، والمساءلة، قد لا يكون مشكلة تعويض على الاطلاق.
🧩 قد يكون مشكلة اختيار.
وهذه واحدة من اكثر الحقائق ازعاجا للمدير: ان بعض المشكلات التي نحاول اصلاحها بعد التوظيف كان ينبغي الا تحدث اصلا لو كان التشخيص والاختيار افضل قبل التوظيف.
فالادارة التي توظف شخصا غير مناسب، ثم تحاول بعد ذلك شراء الانضباط منه عبر الزيادات والمكافات، تشبه من اشترى سيارة لا تناسب طبيعة عمله ثم قرر ان يعالج المشكلة بزيادة الوقود.
قد تسير السيارة اسرع قليلا، لكنها تظل السيارة الخطا.
لذلك لا ينبغي ان يكون السؤال: "هل نرفع الراتب؟"
السؤال الصحيح هو: "اين يقع القيد؟"
هل هو في الاجر؟
هل هو في العدالة؟
هل هو في تصميم الحوافز؟
هل هو في الثقافة؟
هل هو في الادارة؟
هل هو في المهارة؟
هل هو في وضوح المسؤوليات؟
ام انه في اختيار الشخص نفسه؟
اذا كان القيد هو الاجر، فارفع الاجر. واذا كان القيد هو العدالة، اصلح العدالة. واذا كان القيد هو الحوافز، اعد تصميمها. واذا كان القيد هو المدير، اصلح الادارة.
اما اذا كان القيد هو الانضباط الشخصي المزمن بعد استنفاد بقية الاحتمالات، فلا تجعل كشف الرواتب ساحة لمحاولة اصلاح ما ينبغي ان تعالجه الادارة بالتقييم والمساءلة، وربما بقرار اكثر صعوبة.
فالخطا ليس في دفع الاجر، ولا في الاعتقاد بان المال مهم. الخطا هو توقع ان يقوم الاجر بعمل لم يصمم اصلا للقيام به: ان يصنع من الرخاوة انضباطا، ومن ضعف المسؤولية التزاما، ومن سوء الاختيار قرارا صحيحا باثر رجعي.
الراتب قد يكون جزءا من الحل، وقد يكون جزءا من المشكلة، وقد لا تكون له علاقة بالمشكلة اصلا.
والادارة التي لا تميز بين هذه الحالات ستستمر في معالجة الاعراض، مهما رفعت ميزانية الرواتب.
اما الادارة الناضجة، فتبدأ من السؤال الاصعب:
"ما القيد الحقيقي الذي يمنع الاداء؟"
فاذا عرفت القيد، عرفت اين تضع المال، واين تضع التدريب، واين تضع المساءلة، واين تضع القرار الاداري.
اما ان ترفع الراتب لموظف متراخ لمجرد انك لا تعرف لماذا هو متراخ، فليست تلك سياسة تحفيز.
انها تكلفة مؤجلة لمشكلة لم تشخص بعد.

Address

Baghdad

Website

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when المحاسبة فن وعلم posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Business

Send a message to المحاسبة فن وعلم:

Shortcuts

Share